ابراهيم بن عمر البقاعي

293

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أن كانوا لما عمروها اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في موضعه ، وزاد بهم الاختلاف حتى تهيؤوا للقتال وتحالفوا عليه ، فكان منهم لعقة الدم ، ومنهم المطيبون كما هو مشهور في السير ، ثم وفقوا لأن رضوا أن يحكم بينهم أو داخل من باب عينوه ، فكان أول داخل منه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا بأجمعهم : هذا محمد هذا الأمين ، رضينا بحكمه ، فحكم صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يوضع الحجر الشريف في ثوب ويأخذ رئيس كل قبيلة بطرف من أطرافه ويرفعوه كلهم ، فلما وازى موضعه أخذه هو صلّى اللّه عليه وسلّم بيده الشريفة فوضعه في موضعه ، فكان الفخر له مضاعفا بحكمه وإصلاحه بينهم ، واختصاصه بوضعه وهو معمور بالزوار والخدمة وكثرة الحاشية . ولما كان البيت لا بد في مسماه من السقف قال : وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * يريد سقف الكعبة إشارة إلى أنه محكم البناء مغلق الباب متقن السقف إتقانا هو أعظم من إتقان سقف قبة الزمان التي شاهد فيها بنو إسرائيل من العظمة الإلهية والجلال ما إن سألتموهم عنه أخبروكم به ، ومع ذلك سلط على الصحيفة - التي في جوفه ، ولعلها كانت في سقفه بحيث لا يصل إليها أحد - ما أفسدها تحقيقا لثبوت ما أراد من أمره تحذيرا مما توعد به ، ويمكن أن يراد به مع ذلك السماء التي فيها ما توعدون ، ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل السقوف لا يرتفع توعدون ، ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل السقوف لا يرتفع بغير عمد إلا بأسباب لا ترى ، فكيف بالسماء التي لها من السعة والعظمة والثخن وما فيها من الكواكب ما لها مما لا يسع العقول شرحه ، وهم لا ينظرون أسبابه كما قال تعالى بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [ الرعد : 2 ] ونقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : إنه العرش وهو سقف الجنة . ولما كان الماء أقوى من كل ما تقدم ، ختم به فقال : وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * أي الذي فيه من الماء أكثر من ملئه وهو ساجره أي مانعه - كما يمنع الكلب بساجوره عن الانسباح ، ولو أراد خلاه فاندفق فجرى فأهلك ما مر عليه من جبل وكتاب وبيت كما شوهد لما شجره سبحانه لبني إسرائيل فانفلق ، ونشفت أرضه ثم لما أراد سببه على آل فرعون فعذبهم به فأهلكهم حتى لم يبق منهم أحد . ولما أقسم بما يدل على نبوة موسى عليه السّلام وثلث بما أشار إلى نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وثنى بما هو مشترك بينهما ، وكان الأول مع ذلك دالا على استقرار الأرض ، والثالث على صلاحيتها للسكنى ، والثاني على الحافظ في ذلك ، وربع بما كمل المنافع ، وحذر من السقوط كما خوف بالأول من الخسف ، وخمس بما دل على ما أريد بالأول من الاستقرار لأنه لو كان ميل لانطلق البحر إلى جهته ، أجاب القسم بقوله :